متابعه : نجلاء العايدى 

تشهد دول التعاون الخليجى إصلاحات هيكلية متعددة، بهدف تنويع الأنشطة الاقتصادية وإيجاد فرص عمل فى القطاع الخاص، ويعد القطاع المصرفى أحد الأطراف المعنية الرئيسية، عبر رعاية المشروعات والأنشطة، مواكباً لعمليات الإصلاح الهيكلى فى باقى قطاعات الدول الخليجية.

واتخذ القطاع المصرفى الخليجى خطوات جادة نحو دمج بعض مصارفه ومؤسساته المالية وتشكيل تكتلات اقتصادية كبرى تمتلك أدوات وإمكانات تعزز من قدرتها التنافسية عالمياً، وذلك على غرار تجربة الإصلاح المصرفى التى نفذتها مصر فى مطلع الألفية الثالثة من خلال دمج عدد من البنوك لتكوين كيانات مالية قادرة على المنافسة والبقاء، حيث زادت عمليات الاندماج بالقطاع المصرفى فى أنحاء الخليج خلال العامين الأخيرين، مع تعرض هوامش الربح لضغوط، جراء تراجع إنفاق الحكومات والأفراد فى مواجهة تراجع أسعار النفط منذ عام 2014.

ومؤخراً أعلن بنكا الأهلى التجارى وبنك الرياض فى السعودية عن قرار مجلس الإدارة فى كل منهما ببدء المناقشات حول عملية اندماج لخلق كيان جديد بإجمالى أصول تقدر بـ182 مليار دولار، ليصبح ثالث أكبر كيان مصرفى فى منطقة الخليج.

أشرف الغمراوى: «خلق كيانات كبرى قادرة على الصمود» وراء اندماج البنوك.. ومصر كانت لها الريادة فى الشرق الأوسط

ويأتى إعلان خطط الدمج تلك بين بنكى الأهلى التجارى والرياض السعوديين، بعد فترة قصيرة من إعلان بنوك «أبوظبى التجارى، الهلال، الاتحاد الوطنى» فى الإمارات، بشأن عملية اندماج فى شهر مارس المقبل، التى يتمخض عنها إنشاء مصرف بأصول قيمتها نحو 110 مليارات دولار.

وكانت إمارة أبوظبى قد أعلنت فى أبريل 2017، عن نجاح دمج بنكى «أبوظبى الوطنى» و«الخليج الأول» تحت كيان مصرفى جديد باسم «أبوظبى الأول»، ليصبح بذلك أكبر بنك فى الإمارات، بأصول 180 مليار دولار.

الجدير بالذكر أن الدخول فى هذه المناقشات بين البنكين السعوديين لا يعنى بالضرورة أن عملية الاندماج سوف تتم بين الطرفين، ولكن فى حال تم الاتفاق على الاندماج سيخضع ذلك لشروط وموافقات الجهات الرقابية المعنية فى السعودية وموافقة الجمعية العامة غير العادية لكلا البنكين.

وذكر البنك الأهلى التجارى أنه تم التنسيق مع مؤسسة النقد العربى السعودى فيما يخص متطلبات الاندماج قبل البدء فى هذه النقاشات، ولكنه لا يزال من الواجب الحصول على الموافقات الرسمية قبل إتمام عملية الاندماج.

وتبلغ أصول الأهلى التجارى أكبر بنك سعودى من حيث الأصول نحو 121 مليار دولار، فيما تبلغ أصول بنك الرياض 61 ملياراً، وتبلغ القيمة السوقية للأهلى التجارى 38 مليار دولار، بينما تبلغ قيمة بنك الرياض السوقية 14 مليار دولار.

أشرف القاضى: الجهاز المصرفى السعودى هو الأكثر تطوراً فى المنطقة والاندماج يشجع بنوكه على المنافسة خارجياً

ويعد صندوق الاستثمارات العامة المالك الأكبر فى البنكين، إذ يمتلك حصة 44% فى البنك الأهلى التجارى، كما أنه يمتلك 22% من بنك الرياض.

وقالت وكالة بلومبرج فى تناولها لعمليات الاندماج التى باتت محل اهتمام المصارف الخليجية، إن سبب هذا الإقبال على هذه الأنشطة بين العديد من بنوك المنطقة يعود إلى كثرة عدد المصارف على نحو يجعل الاندماج خياراً مناسباً لتعزيز القدرة التنافسية للبنوك، فى ظل انخفاض أسعار النفط.

وأشارت «بلومبرج» فى تقريرها إلى أن هناك أكثر من 73 مصرفاً مدرجاً فى دول التعاون الخليجى، تخدم نحو 51 مليون نسمة، وهى بنوك تعتمد بشكل كبير على الإيداعات الحكومية، التى شهدت تراجعاً بالتزامن مع انخفاض أسعار النفط.

وأضاف التقرير أن نمو الأصول المصرفية يرتبط بدرجة كبيرة بنمو الناتج المحلى الإجمالى الإقليمى الذى يتحرك إلى حد كبير بالتوازى مع أسعار النفط «الآخذة فى الانخفاض»، الأمر الذى دفع الحكومات إلى إعادة ضبط الميزانيات، وخفض الإيداعات.

وتأتى عمليات دمج المصارف ضمن حزم إصلاحات اقتصادية تطبقها دول مجلس التعاون الخليجى منذ أكثر من عام.

وذكرت الوكالة أن بنك بيت التمويل الكويتى أكبر مصرف إسلامى فى الكويت، والبنك الأهلى المتحد، أكبر مجموعة مصرفية فى البحرين، يسعيان إلى الاندماج، إذ من المقدر أن يولد الاندماج بين المصرفين كياناً مصرفياً بأصول تتجاوز 92.6 مليار دولار.

وتابعت أن المملكة العربية السعودية شهدت عملية اندماج مميزة بين البنك السعودى البريطانى التابع لبنك «إتش إس بى سى» الذى استحوذ من خلالها على البنك الأول فى صفقة قيمتها 5 مليارات دولار من الأسهم.

وفى قطر أعلن بنكا بروة وبنك قطر الدولى عن توقيع اتفاقية اندماج نهائية بشكل رسمى، حيث تهدف هذه الاتفاقية إلى دمج وتوحيد أعمال البنكين لتثمر عن تكوين كيان بنكى متوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، بمجموع أصول تبلغ 80 مليار ريال (22 مليار دولار).

طارق متولى: صفقات الاندماج ضرورية لتعزيز قدرة البنوك الصغيرة على مواكبة التطور التكنولوجى والمعايير الجديدة

كما أعلن البنك الوطنى العمانى، نهاية يوليو الماضى، بدء مفاوضات حول عملية اندماج محتملة مع بنك ظفار، وكلاهما مدرج ببورصة مسقط للأوراق المالية، وفى حال إتمام صفقة الاندماج، سيبلغ إجمالى أصول الكيان الجديد ما يقرب من 20 مليار دولار.

من جانبه أشاد أشرف الغمراوى، الرئيس التنفيذى لبنك البركة – مصر، بعمليات الاندماج التى تحدث فى منطقة الخليج، مشيراً إلى أن لها دوراً كبيراً فى خلق كيانات عملاقة قادرة على مواجهة التحديات والظروف الاقتصادية والتطورات العالمية والإقليمية.

واعتبر «الغمراوى» أن ما يحدث فى دول الخليج من دمج للبنوك هى عملية إصلاح مصرفى، لمواكبة المتطلبات العالمية من زيادة رؤوس الأموال ووضع حد أدنى لها، بالإضافة إلى الالتزام بتطبيق الحوكمة، والمعايير المحاسبية الجديدة.

وعن احتمالية أن تشهد مصر اندماجات خلال الفترة المقبلة، قال «الغمراوى» إن السوق المصرية كانت لها الريادة فى هذه العملية فى الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة، مشيراً إلى أن السنوات المقبلة قد تتطلب وضع حد أدنى أكبر لرؤوس أموال البنوك الحالية، مما يدفع بعض البنوك الصغيرة إلى الاندماج مرة أخرى.

وقال أشرف القاضى، رئيس مجلس إدارة المصرف المتحد، إن تجربة اندماج بنكى «الخليج الأول» و«أبوظبى الوطنى»، والذى نتج عنه أكبر مؤسسة مالية فى الإمارات وفى منطقة الخليج والشرق الأوسط، وأحد أكبر البنوك فى العالم، بإجمالى أصول يبلغ نحو 178 مليار دولار أمريكى، شجعت مصارف المنطقة على الاندماج لخلق كيانات قادرة على المنافسة.

وأوضح أن البنوك فى دول الخليج تفكر فى التوسع خارج المنطقة، مما يدفعها إلى تقوية كياناتها ورؤوس أموالها لتنافس بقوة، لافتاً إلى أن خلق هذه الكيانات يهدد فرص البنوك الأصغر حجماً فى عملية المنافسة.

وأكد «القاضى» أن الجهاز المصرفى السعودى هو الأكثر تقدماً وتطوراً فى المنطقة، لما يقدمه من منتجات وخدمات تكنولوجية ومشتقات مالية متطورة جداً، مشيراً إلى أن اندماج بنكى «الأهلى التجارى» و«الرياض» سيخلق كياناً عملاقاً بحصة سوقية كبيرة، تمكنه من الخروج من إطار العمل فى السعودية والمنافسة فى دول أخرى.

وأضاف «القاضى» أنه من الممكن أن تشهد مصر اندماجاً لبعض البنوك فى المستقبل، حيث إن عدد البنوك المصرية حالياً 38 بنكاً وكان من المستهدف أن يكون عددها 24 بنكاً كبيراً، إلا أن الأحداث التى شهدتها مصر خلال السنوات الماضية لم تساعد على تحقيق المستهدف، متوقعاً أن يطالب البنك المركزى المصرى خلال الفترة المقبلة البنوك المصرية بتقوية كياناتها المالية ورفع الحد الأدنى لرؤوس أموالها.

وقال طارق متولى، نائب رئيس بنك بلوم السابق، إن الهدف من دمج البنوك هو خلق كيانات مصرفية أكبر حجماً، قادرة على توفير التمويلات للمشروعات الكبرى، إلى جانب الارتقاء بمستويات الربحية عبر تكامل الأنشطة وتقليل المصروفات.

وأضاف أن صفقات الاندماج ضرورية للبنوك الصغيرة التى تحقق نسب نمو ضعيفة ولا تكاد تتحمل نفقات تشغيلها ذاتياً خاصة فى ظل وجود كيانات مصرفية كبرى تسيطر على الأسواق.

وأشار «متولى» إلى أن موجة الاندماجات الكبرى فى القطاع المصرفى بدأت فى منتصف التسعينات من العام الماضى فى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.

وذكر أن البنوك واجهت ضغوطاً بسبب ارتفاع تكاليف الامتثال للمعايير المحاسبية الجديدة ومعايير «بازل 3»، والتغيرات التكنولوجية، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة، مما دفعها إلى التحول بشكل كبير إلى الاندماج لتكون قادرة على الاستمرار ومواكبة التطور.