متابعه : نجلاء العايدى 

إن القناعة بما قسم الله تعالى، والرضا بما قدره وقسمه، من النعم الجليلة التي يُنعم الله بها على أصحاب القلوب السليمة، والنفوس المطمئنة، وقد مدح الله المؤمنين السابقين بالقناعة والعفاف والرضا بالمقدور، فقال سبحانه: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 273]، وقد دعا رسولنا الكريم بالفلاح والفوز لمن رزقه الله القناعة، فقال في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قد أفلح من أسلم، ورُزق كَفَافًا، وقنَّعه الله بما آتاه))، وأوصى أبا هريرة رضي الله عنه وصية جامعة ثمينة، فقال له: ((كن وَرِعًا تكن أعبد الناس، وكن قَنِعًا تكن أَشْكَرَ الناس)).

إن القناعة تعني أن يرضى العبد بما قسمه الله وأعطاه من النعم؛ من صحة وعافية، ومال ومسكن وزوجة، وأن يرى أنه أفضل من جميع خلق الله، وأن يلهج لسانه دائمًا بالذكر والشكر للمُنعم، فيقول: “الحمد لله الذي فضَّلني على كثير من عباده المؤمنين”، وألا يتسخط المقدور، ويزدريَ نعمةَ الله ومنَّته عليه، ويستصغرها، أو أن يرى أنه يستحق أكثر من ذلك.

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾ [الفجر: 15 – 17].

تأملوا معي أيها المسلمون سيرة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، وسيرة الصحابة من السابقين الأولين رضوان الله عليهم، كيف كان عيشهم كفافًا، ورزقهم بسيطًا، ولم ينظروا إلى مَن حولهم من الأمم؛ كالروم، أو الفُرس، وما أُغدق عليهم من النعم ومتاع الحياة؛ لأنهم يعلمون أن الغنى الحقيقي هو غنى النفس، وسعادة القلب، وسلامة الصدر، وراحة البال، وهدوء الخاطر، وقد سُئلت الصِّدِّيقة عن عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت أنه يمرُّ الهلال والهلالان على بيتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يوقَدُ فيه نار، وَقُوتُهُم الأسودانِ؛ التمر والماء، وكان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ينام على حصير حتى يؤثر في جنبه، ويرى أنه في نعمة كبرى، ومنة عظمى، تستوجب منه شكرها، والقيام بحقها، بل كان صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتفطَّر قدماه، ويقول: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!).

إن المسلمين اليوم مع ما هم فيه من النعم الجليلة، والعيش الرغيد، وألوان الطعام والشراب، وتنوع في المأكل والمشرب والملبس، وارتيادهم الأسواق العالية، والأبراج الملونة، والأسواق المزخرفة، والألعاب المسلية – هم عن شُكر تلك النعم معرضون، وعليها ساخطون، ولربهم غير شاكرين، وتراهم يتطلعون إلى ما عند غيرهم من نعمة المال والمسكن والصحة والجمال، وصدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إذ يقول فيما رواه عنه أنس رضي الله عنه: ((لو كان لابن آدم واديانِ من مال لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوفَ ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)).

إن القناعة والرضا يمنح المسلم الصادق آثارًا حميدة، ومزايا جليلة، يستغني بها عن حطام الدنيا بأَسْرها، ويتعوض بالإيمان عن زُخرفِها وزينتها؛ ومن تلك الآثار: سكينة النفس، وراحة البال، وطمأنينة القلب، وسلامة من الأمراض؛ كالقلق، والوسواس، والكآبة، والتسخط؛ يقول الله في محكم التنزيل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].

والعبد المسلم شأنه أن يشكر في السراء، ويصبر في الضراء، ويحمَد على القليل والكثير؛ عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن اللهَ لَيرضى عن العبد أن يأكُلَ الأَكْلة فيحمَدَه عليها، أو يشرَبَ الشَّربةَ فيحمَدَه عليها))؛ رواه مسلم.

وما أجمل قول الشافعي رحمه الله إذ يقول:

رأيت القناعه رأس الغنى 

فصرت بأذيالها ممتسك 

فلا ذا يرانى على بابه

ولا ذا يرانى منهمك 

فصرت غنيا بلا درهم 

أمر على الناس شبة الملك

ومن تلك الثمار الجليلة: سلامة القلب من داء الحسد والحقد والأنانية وحب الذات، ومَن راقب الناس مات همًّا وغمًّا، كما قيل، وتلك أمراض تجعل عيش صاحبها نكِدًا، وحياته ندمًا، فلا تجد المسلم حاسدًا؛ لأنه يعلم أن الرزق مقسوم، والأجل محتوم: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [هود: 6]، بل تجده منشرح الصدر، قرير العين، ولو كان لا يملِك من الدنيا إلا بيتًا يستره، أو لقمة يسد بها جوعته، وهذه إن اقترنت بالسعادة النفسية، والإيمان الصادق لعمري لهي أفضل من عيش الملوك والرؤساء؛ قال صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((من أصبح آمنًا في سربه، معافًى في بدنه، عنده قُوتُ يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها))، وجاء رجل يشتكي لعبدالله بن عمرو بن العاص الفاقة، فقال له: عندك زوجة؟ قال: نعم، قال: هل عندك مسكن؟ قال: نعم، قال: أنت غني من الأغنياء، قال: وعندي خادم، قال: أنت ملِك من الملوك.

فاتقوا الله عباد الله، وراقبوه في السر والنجوى، واحمَدوه على نعمه وآلائه، واشكروه على أفضاله ومِنَنِه، وتمسَّكوا بهَدْي نبيكم، واهتدوا بهديه، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا – رحمكم الله – أن اللهَ قسم الأرزاق والأقوات بين الخلائق، وأنه هو الرزاق؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ *إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56 – 58]، فلا ينبغي للمسلم أن يذل نفسه، ويريق ماء وجهه، ويلح في السؤال، وله ما يكفيه ويُغْنيه، وليقنع بما لديه؛ فإن العبد حر ما قنع، والحر عبد ما طمع، ومن يستعفَّ يُعفَّه الله، ومن يستغنِ يغنِه الله.

اللهم اجعلنا لنعمائك من الشاكرين، ولفضلك من الحامدين،  وأن الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ على عبدك ونبيك، خاتم الأنبياء، وسيد الأتقياء، وإمام الأنبياء، صلاة دائمة باقية ما بقيت السموات والأرض، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.